ابراهيم بن عمر البقاعي

426

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يَخْرُجُوا مِنْها ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية المؤكدة بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا : فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي بأي وجه كان ، وعبروا بأداة الشك مع إعلام اللّه لهم بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب فَإِنَّا داخِلُونَ * فكأنه قيل : إن هذه لسقطة ما مثلها ، فما اتفق لهم بعدها ؟ فقيل : قالَ رَجُلانِ وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل بقوله ذما لمن تقاعس عن الأمر منهم : مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي يوجد منهم الخوف من الجبارين ، ومع ذلك فلم يخافا وثوقا منهما بوعد اللّه ، ولما كان بنو إسرائيل أهلا لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن اللّه معهم بعونه ونصره ، قرىء : يخافون - مبنيا للمفعول أَنْعَمَ اللَّهُ أي بما له من صفات الكمال عَلَيْهِمَا أي بالتثبيت على العمل بحق النقابة ، وهما يوشع بن نون وكالأب بن يوفنا - كما أنعم عليكم أيها العرب وخصوصا النقباء بالثبات في كل موطن ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي باب قريتهم امتثالا لأمر اللّه وإيقانا بوعده . ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى ، لأن اللّه وعد بنصرهم عليهم ووعده حق ، عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى لجماهيرهم فقالا : فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ ثم أكدا خبرهما إيقانا بوعد اللّه فقالا : فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ أي لأن الملك معكم دونهم وَعَلَى اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده فَتَوَكَّلُوا أي لا على عدة منكم ولا عدة ولا حول ولا قوة . ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير اللّه ، ألهمهم بقوله ؛ إِنْ كُنْتُمْ أي جبلة وطبعا مُؤْمِنِينَ * أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم والتصديق بجميع ما أتى به ، فكأنه قيل : لقد نصحا لهم وبرّا ، واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا ، فما قالوا ؟ فقيل : لم يزدهم ذلك إلا نفارا واستضعافا لأنفسهم لإعراضهم عن اللّه واستصغارا لأنهم قالُوا معرضين عمن خاطباهم غير عادين لهما يا مُوسى وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم : إِنَّا وعظموا تأكيدهم بقولهم : لَنْ نَدْخُلَها وزادوه تأكيدا بقولهم : أَبَداً وقيدوا ذلك بقولهم : ما دامُوا أي الجبابرة فِيها أي لهم اليد عليها ، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل باللّه الفعال لما يريد . الغني عن جميع العبيد ، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ أي المحسن إليك ، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد ، بل خصوه بالإحسان ، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم مشارفون له ، وكذلك أمثاله ، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم ، ثم سببوا عن الذهاب قولهم : فَقاتِلا ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن